عام 1988 نشرت الناقدة الهندية غايتري سبيفاك مقالة بعنوان: «هل يستطيع المهمش أن يتكلم؟». قد يبدو السؤال نظريًا بعيدًا، لكنه عندما يُطرح على النساء يصبح سؤالًا روتينيًا. كم مرة سمعنا من يقول «نحن نعرف ما تحتاجه/تريده المرأة»؟ وكم مرة كان هذا القول صادرًا عن شخص لم يسأل امرأةً ما تريده أو تحتاجه قبلًا؟
بين إرادتين
تبدأ سبيفاك بنقد من يفترضون أن المضطهَدين يعرفون مصالحهم ويعبّرون عنها بشفافية، وأن دور صاحب الامتيازات أن ينقل صوتهم. ترى أن هذا الافتراض يتجاهل موقع الناقل وامتيازاته، لأن من يتكلم «نيابةً عن» الآخرين يحتلّ مكانهم دون الاعتراف بذلك.
ثم تنتقل إلى مثال أكثر قسوة: حين منع البريطانيون ممارسة «الساتي»، حيث كانت الأرملة الهندية تُحرق على محرقة زوجها، برّروا حكمهم الاستعماري بعبارة توجزها سبيفاك:
“رجال بيض ينقذون نساءً سمراوات من رجال سمر.”
غايتري سبيفاك، «هل يستطيع المهمش أن يتكلم؟» (1988)
على الجهة المقابلة، استخدم بعض المدافعين عن الممارسة خطاب التقاليد والشرف، وقدّموا موت المرأة بوصفه اختيارًا أو تضحيةً ذات قيمة اجتماعية. ما تحاول سبيفاك التنبيه إليه هو تجاهل وجهة نظر المرأة في الروايتين؛ فعلى الرغم من وجودها المحوري لم يسألها أحد، ونظريًا لو سُئلت لما وجد كلامها من يسمعه.
تحذير للنسوية نفسها
هذه المقالة التي كتبتها سبيفاك ليست هجومًا على الرجال وحدهم، بل هي أيضًا تحذير للنسوية. فحين تتحدث نسوية «عالمية» عن بقية النساء بوصفهن ضحايا موحَّدات في انتظار المُنقذ، فإنها تعيد إنتاج رواية «الرجل الأبيض المنقذ» نفسها، مع تغيير الراوي. وحين تفترض الأيديولوجية النسوية «العالمية» أن تجربة امرأة في كلكتا أو بغداد هي نسخة متأخرة من تجربة امرأة في لندن، فإنها تمحو الفروق التي تصنع حياة كل امرأة على حدة: الطبقة، والدين، والمكان، والثقافة.
لكن سبيفاك لا تدعو إلى الصمت. لا تقول: لا تتحدثوا عن النساء. بل تقول: انتبهوا إلى موقعكم حين «تنقلون»، وافهموا الفرق بين أن «تمثّلوا» غيركم سياسيًا وأن «تسردوه» خطابيًا، ولا تظنوا أنكم تنقلون صوتًا مجرّدًا.

ماذا عن الداخل؟
لا نحتاج إلى الذهاب إلى الهند الاستعمارية لنرى المعادلة نفسها. في العراق، كما في بلدان كثيرة، تتحول قضايا النساء إلى ساحة مواجهة بين خطابات تتنافس على ملكية تصوير ما ترغب به «المرأة». خطاب يرفع شعار «تحرير المرأة» حين يخدم مشروعه السياسي ويطويه حين ينتهي الغرض، وخطاب آخر في المقابل يدافع عن «الأصالة والعادات والتقاليد»، فتصبح المرأة رمز الشرف الذي يُحمى لأجل الجماعة.
وكلما فُتح ملف قانون الأحوال الشخصية أو العنف الأسري، تكلّم الجميع عن «المرأة العراقية» بصيغة المفرد: السياسي والشيخ والإعلامي والمحلّل السياسي. أما المرأة نفسها، بتناقضاتها وحساباتها اليومية، فمن النادر أن تُسأل.

ولا يقتصر الأمر على الرجال. نحن النساء اللواتي نكتب ونتحدث في الفضاء العام، علينا أن نتساءل بشفافية: هل نتحدث عن الأخريات أم معهن؟ هل نعرف حقًا ما تريده امرأة في قرية أو ضاحية أو حيّ شعبي، أم نفترض أننا نعرف لأننا نمتلك ما يكفي من الامتيازات؟
ماذا بعد؟
قد يبدو الأمر محبطًا: إذا كان المهمش لا يتكلم، فما جدوى كل خطاب نسوي؟ أقرأ المقالة بطريقة أخرى. غايتري سبيفاك لا تغلق الباب، بل تسعى إلى تغيير طريقة طرقه. تطلب منّا أن نصغي أكثر مما نتحدث، وأن نبني منابر تحتوي أصوات النساء أنفسهن، وأن نعترف بحدود معرفتنا. هذا النوع من الوعي لا يُضعف النسوية، بل يحميها من أن تصبح سلطة جديدة تتحدث باسم الجميع.
وهي توضح أيضًا أن الصمت قد يكون وراءه الكثير. فالمرأة التي لا تعلن موقفًا بالصيغة التي نتوقعها ربما تقول شيئًا بطريقة أخرى: في معاملاتها اليومية، وفي ما تقبله وما ترفضه بهدوء، وفي طريقتها لتعيش. ومهمتنا ألّا نقرأ هذه الرسائل بقوالب وتوقعات مسبقة.
النهاية
بعد أكثر من ثلاثين عامًا، ما زال سؤال سبيفاك فاعلًا حتى بعد الكولونيالية، لأن المشكلة لم تُحلّ. ما تزال النساء يُصوَّرن في المؤتمرات والبرلمانات وبرامج الحوار، وما زالت أصواتهن تُختزل في قالب واحد جاهز: قصة ضحية تنتظر منقذًا، أو رمز يُحمى.
والسؤال الذي حملته معي بعد قراءتها ليس «هل تستطيع المرأة أن تتكلم؟»، فهي تتكلم (أو يُتكلَّم عنها) دائمًا. السؤال هو: من يملك الأذن التي تسمع، وهل نحن مستعدون أن نكون تلك الأذن بحق؟
